محمد هادي معرفة
264
التمهيد في علوم القرآن
مشاعره هزّا ، ثمّ يهيمن عليه بسطوة بيانه وقوة كلامه في كلا تبشيره وإنذاره ! وهذا امرؤ القيس ، ألمع شعراء الجاهلية ، نراه في أجود قصائده ، قد ضاق به الكلام حتى لجأ إلى غرائب الألفاظ الوحشيّة غير المأنوسة ولا مألوفة الاستعمال ، كالعقنقل والسجنجل والكهنبل والمستشزرات وأمثالها ممّا تركها سائر العرب حتى عافتها كتب تراجم اللغة ! الأمر الذي عيب على امرئ القيس . كما عيب استعماله كلمات لا موضع لها ولا مناسبة مع مقصود شعره ، قال - في مطلع قصيدته المعلّقة : قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها * لما نسجتها من جنوب وشمال لم يقتنع في وصف المنزل بقوله « بسقط اللوى » حتى أكمل بيان حدوده الأربعة ، جنوبا وشمالا وشرقا وغربا ، كأنّما يريد بيع منزله ، فيخشى أن أجلّ بحدّ منه أن يفسد بيعه أو يبطل شرطه ، وما هذا إلّا تطويل بلا طائل ، وهو من أكبر معايب الكلام . وأيضا فإنّه حاول إبكاء غيره ليرافقه في البكاء على فراق حبيبه ، وهذا من السخف في الرأي ، أن يدعو الأغيار إلى التغازل مع عشيقته فلا يغار ، وهل يرضى صاحب حميّة أن يتواجد صديق له على من يهواه ؟ ! وأخيرا فما وجه تأنيث الضمير في « لم يعف رسمها » العائد إلى المنزل ، مؤوّلا إلى الديار ، كما زعم ! وهكذا في « نسجتها » بتأويل الريح . وكان الأولى هو التذكير ، لأنّ الحمل على المعنى في غير المبهمات ( كالموصولات ) ضعيف في اللغة . وأضعف منه زيادة « من » في الإثبات ، فإنّه شاذّ في اللغة . قال ابن هشام : شرط زيادتها تقدّم نفي أو نهي أو استفهام بهل . وزاد